أن تكتب في البيت: عندما تتحول حنية الأم ورغبة الأطفال إلى "بلوك" إبداعي!

أن تكتب في البيت: عندما تتحول حنية الأم ورغبة الأطفال إلى "بلوك" إبداعي!

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

أن تكتب في البيت: عندما تتحول حنية الأم ورغبة الأطفال إلى "بلوك" إبداعي!

image about أن تكتب في البيت: عندما تتحول حنية الأم ورغبة الأطفال إلى

في المقال الشهير والساخر "أن تكتب في البيت"، يصف لنا العراب الراحل د. أحمد خالد توفيق معاناته مع الكتابة داخل المنزل، وكيف يتعامل الأبناء مع عملية التفكير والإبداع:

​إن ابنتي تدخل الحجرة.. تقف بجواري في ملل.. تعبث في الأقلام على المكتب.. تدور من حولي.. أسألها عما هنالك فتقول:

 “أنتظر أن تنتهي!.. أريد أن ألعب”

أقول لها إنني سأمضي وقتًا طويلاً جدًا.. لا أعرف متى أنتهي..

كيف كنا -معشر الكهول- نعيش من دون كمبيوتر؟ (عشت كذلك دون تليفزيون حتى سن العاشرة).. لابد أننا عشنا طفولة شبيهة بطفولة الكلاب إذن. التعبير على وجه ابنتي يوحي بأنني أحرمها حقها في الأكل والشرب أو التنفس.. أب قاسٍ شرير أنا..

بعد ربع ساعة تنصرف آسفة، ليظهر ابني الذي يريد أن يكلم زملاءه على برنامج (ماسنجر).. يدور في الغرفة ويجلس على المقعد ويعبث بالأقلام، ثم يسألني في ضجر:

 “ألا تنوي أن تخرج أو تنام؟”

 “نعم.. لاحظ أنني أقوم بالتأليف.. وهذا يستغرق وقتًا لأنه عملية خلق إبداعية ولا يوجد زر نضغط عليه كي”

لا يبدو راغبًا في سماع شيء عن آليات الإبداع.. يريد الجهاز فقط، ثم هو مقتنع أن الأمر ليس بهذه الأهمية والخطورة.. وأنا بالتأكيد لست تولستوي، وإلا لعرف هذا أو لرآني أصافح ملك السويد وأنا أتسلم جائزة نوبل.. لو كنت ناجحًا لهذا الحد فلماذا لم أبتع كمبيوتر آخر؟ 

يظل يراقبني لمدة طويلة ثم يسألني:

 “ألاحظ أنك لا تكتب أي شيء”

أصيح في جنون.. أنا أفكر!.. أفكر!.. لست موظفًا في مكتب نسخ.. وكيف أفكر بينما هناك من يراقبني منتظرًا أن أفكر؟.. لو كنت (شكسبير) نفسه فلن أكتب حرفًا بهذه الطريقة..

أنهض للحمام -وهو حق فسيولوجي كما تعلم- وأعود بعد دقيقة لأسمع الصخب، ولأجد سيركًا قد نُصب في مكتبي فلا ينقصني إلا أن أبتاع تذكرة على الباب.. بوم بوم كراش فززز!.. ابنتي تقهقه وابني يصرخ منتشيًا، بينما على الشاشة أرنب عملاق يطارد جزرًا يطير أو غزاة فضاء لونهم أخضر يطاردون بشرًا مذعورين.. المهم أن هناك الكثير من الـ بوم بوم كراش فززز في كل مكان

.. أسألهما وسط الضوضاء

 “مللبسيسسسسس؟”

 “ماذا؟”

 “هل قمتما بتسجيل ما كنت قد كتبته؟”

 “لا..”

وبالطبع لا توجد طريقة للخروج من هذه اللعبة بالذات سوى بإطفاء الجهاز ونسف ما كنت أكتبه !!! 

د.أحمد خالد توفيق

أن تكتب فى البيت

​هذه المعضلة التي تحدث عنها د. أحمد يعاني منها الكُتّاب، أو مَن يحاولون أن يصيروا كُتّاباً -تماماً مثلي أنا-.

​ففي الوقت الذي كان فيه العراب يعاني من عدم استيعاب الأبناء لعملية "الخلق الإبداعي" ورغبتهم في الشاشة للعب، أعاني أنا من جانب آخر؛ وهو حنية أمي وخوفها الفطري على عينيّ!

​كلما أمسكت بهاتفي لأكتب فكرة ما على برنامج الوورد أو على مستندات جوجل، أجد أمي وقفت فوق رأسي تقول لي:

ـ “سوف تتعبين عينيكِ.. توقفي عن النظر في الهاتف.”

فأقول لها: “ولكنني أمسكت به الآن!”

فتقول لي: “ولكنكِ تقضين عليه ساعات طويلة.”

فأقول لها: “يا أمي عندما أمسك به فإما أنني أكتب أو أذاكر أو أفعل عليه شيئاً مهمة.. فأنا لا أمسكه للعب.”

​تخرج وتأتي بعد فترة من الوقت لتجدني ما زلت أمسك بالهاتف، فتقول لي بضجر:

ـ “ما زلتِ تمسكين بالهاتف.. إذن لا تأتي بعد ذلك وتشتكي من عينيكِ!”

​وبالطبع، تنتهي المحاولة بـ "بلوك" إبداعي تام! وبعد أيام تسألني: “هل كتبتِ قصة جديدة؟”

فأبتسم ابتسامة خفيفة: “لا يا أمي لم أكتب بعد، أو بالأحرى أنني أكتب ولكن عقلي توقف عن التفكير وانقطعت عنه الأفكار وتوقف عني الإبداع.. لا بد أنه أخذ إجازة ولا أدري متى ستنتهي إجازته ويعود!”

​في السابق، كنت أكتب على الأوراق، ولكن اليوم أكتب على الهاتف.. كان شعور الكتابة بالقلم شعوراً جميلاً، وصوت تقليب الأوراق يعطيك نشوة الكاتب الذي يفكر ويكتب صفحة بعد صفحة والأفكار تنهال عليه دون توقف، حتى تأتي اللحظة التي تشعر فيها بالتعب فتتوقف عن الكتابة.. وحين تنظر للورق تجد نفسك كتبت كماً لا بأس به من الصفحات، فتخرج منك تنهيدة ارتياح وانتصار وأنت تقول: “يااااه.. معقول أنني كتبت كل هذه الصفحات!”

​كلما أتذكر هذه الأيام أشعر وكأنني من أيام الهكسوس أو من أيام -كما يقول المثل الشعبي الساخر- (حرب الدِكَك).

​رحم الله د. أحمد خالد توفيق، فقد كان يكتب ما نشعر به ولا نستطيع أن نُعبر عنه، وكأنه كان يقرأ ما في عقولنا من أفكار وتفاصيل يومية.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
summer sadek تقييم 5 من 5.
المقالات

9

متابعهم

13

متابعهم

12

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-