يوميات كوكب البلالا "غراب البين ودخوله بين البصلة وقشرتها"

يوميات كوكب البلالا "غراب البين ودخوله بين البصلة وقشرتها"

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

 

يوميات كوكب البلالا "غراب البين ودخوله بين البصلة وقشرتها" 

بقلم: سمر رمضان 

image about يوميات كوكب البلالا

يومٌ آخر من يوميات كوكب «البلالا»، ولكن هذا اليوم سيكون مع مخلوقٍ ثقيلٍ على القلب لا يحبه الناس، وهو «غراب البين»؛ فإذا نعق، فرّق نعيقُه بين الأقارب والأحباء.. ولم يُقال ذلك المثل الشعبي عبثًا: «يا داخل بين البصلة وقشرتها ما ينولك إلا صننها!» وبالرغم من دخوله بين البصلة وقشرتها، إلا أن الصنن لم يطله مثلما طال أصحاب البصلة أنفسهم. ومع ذلك، لم يكتفِ برائحة البصلة، بل نشر صننه معها ليصبح الصنن صننين؛ صنن البصلة، وصنن غراب البين الذي كان أشدَّ نتانةً وأكثر تعطينًا وفتكًا من صنن البصلة نفسها!

​عذرًا.. فقد زاد الصنن في هذا المنشور حتى كدتُ أشم رائحته حقًا في أنفي، وكأن الأجواء قد تشبعت تمامًا بهذا العفن الفكري الذي يأبى أن يتوارى!

​حاولتُ أن ألفت نظر «غراب البين» إلى نقطة معينة لا يراها.. ليس لعمى بصرِه ولكن لعمى بصيرته، وسَبَبُه اتباعُ هوى أعمى، وكبرياءٌ زائف لا يرتضي الاعتراف بالخطأ إلا مواربةً.

​وفي لحظة صدقٍ مؤقتة، اعترفَ بخطئه أمام مرآة نفسه، ولكن سرعان ما برره برؤيته الضيقة التي لم يرَها سوى من زاوية شخصية بحتة أو استنادًا إلى تجربة قاسية مرّ بها، فعمّمها على الجميع بجهل مطبق!

وعندما حاول أن يرتدي ثوب الواعظ والمصلح، صار غراب البين مُفرّق الجماعات وهادم اللذات، وحينما أراد أن يضع الكحل في الأعين بدلاً من تكحيلها أعماها تمامًا!

​فصار الناس على عماه، وأصبح هواه هواهم، والهوى إذا حكم صار إلٰهًا تُعَبَّد طاعته.. وما أدراك ما الهوى وأن يتبع الإنسان هواه بلا رادع من عقل أو ضمير!

​وبين ليلة وضحاها، انقلب من في البيوت إلى حزبين متناحرين: حزبٍ يدافع عن غراب البين ويؤيد فكره الأعوج باستماتة، وحزبٍ يسبُّ ويُحَسْبِل فيه ليل نهار. وبين هذا وذاك برزت فرقةٌ مذبذبة تارةً مع هذا وتارةً مع ذاك.. ولكن من منطلق ضعفها وهوانها، صارت مع من يبرر لغراب البين، فقد كان كلامه المعسول مقنعًا ظاهريًا بالنسبة لهم.

​ودوى نعيقه في البلدان والأمصار حتى صار له مؤيدون ومدافعون في كل حدب وصوب.. فغارت باقي الغربان من صوته الصاخب، وبدلاً من أن يكون هناك غرابُ بينٍ واحدٌ، صاروا غربانًا متعددة! وأعتقد جازمةً أن جميعهم يعانون من نفس عقدة غراب البين القديمة، لذلك صاروا ينعقون مثله، وينشرون أفكاره الهدامة، ويطبقون مذهبه في كل مجال.

​وهناك على الضفة الأخرى بعض اليمامات البريئة؛ منهن من استسلمت وصارت تنعق مثل الغربان خوفًا أو طمعًا، ومنهن من رفضن ذلك الانزلاق رفضًا باتًا. وحين ثبُتن، فاجتمع عليهن نعيقان: نعيق اليمام الحزين، ونعيق الغربان المفترسة! وانهالوا عليهن بالسباب المقيت واتهامهن بالسفه ونقصان العقل والكمال، محاولين كسر إرادتهن.

​وفي محاولةٍ يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، حاولت يمامةٌ شجاعة أن تضع الأمور في نصابها الصحيح وتبيّن لهم الحق من هوى النفوس.. لكن الهوى كان غلابًا، والعقل فيه قد غاب ووارى التراب!

​وفي النهاية، تدرك تمامًا أنه لا فرق حقيقي بين ثعلبٍ مخادع وغرابٍ ناعق، فما هما إلا وجهان لعملة واحدة ممزقة.. فذاك واعظٌ كذاب يجيد التلون، وهذا مفرّقُ جماعات يقتات على الخراب!

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
summer sadek تقييم 5 من 5.
المقالات

9

متابعهم

13

متابعهم

12

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-